اصلاح ذات البين
إن الحمد لله نحمده
ونستعينه ونستهديه ونستغفره . ونعوذ بالله
من شرور انفسنا ومن سيئات أعمالنا . من يهده الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له
وليا مرشدا . واشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له واشهد أن محمدا عبده ورسوله
وصفيه من خلقه وحبيبه . بلغ الرسالة وأدي الأمانة ونصح الأمة وكشف الله به الغمة
وتركنا علي المحاجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك . أما بعد
أيها الإخوة المؤمنون
: حديثنا اليوم عن اصلاح ذات البين ...
ما هو
إصلاح ذات البين ؟
معنى إصلاح ذات البين هو إصلاح الأمور بين المسلمين ،
ونشر المحبة بين الناس ، وإزالة الحقد والضغينة بين الناس .
ولقد حث الإسلام على
إصلاح ذات البين، قال تعالى : {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ} [الأنفال:1].
وقال تعالى: {إِنَّمَا
الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ} [الحجرات:10]. فأمرنا الله سبحانه وتعالى أن نصلح ذات
بيننا ، ونصلح بين المسلمين المتخاصمين ...
ومن الأحاديث العظيمة
الجميلة التي جاءت في هذا المعنى حديث رواه الإمام أبو داود من حديث أبي الدرداء
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام
والصلاة والصدقة؟ فقالوا: بلى يا رسول الله ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:
إصلاح ذات البين) يعني: تصلحون ما بينكم من خصومات.
أخى المسلم : تأمل معى هذا الحديث في
فضل إصلاح ذات البين بين الناس ، والمكانة العالية لهذا الفضل التي تفوق أجر صلاة التطوع
وصيام التطوع والصدقة ، رغم مانعرفه من الأجر العظيم للصلاة النافلة والصيام
النافلة والصدقة ،
أخى المسلم : هيا بنا
نستعرض بعض فضائل الصلاة النافلة (أي التطوع) :
عن عائشة (ض) قالت : قال رسول الله
(ص) : "رَكْعَتا
الفَجرِ خيرٌ منَ الدُّنيا جميعًا "
عن أم حبيبة أم المؤمنين (ض) قالت :
قال رسول الله (ص) : "من صلّى في يومٍ وليلةٍ ثنتيْ
عشرةَ ركعةً، بُنيَ له بيت في الجنةِ: أربعًا قبلَ الظهرِ، وركعتيْنِ بعدَها
وركعتيْنِ بعدَ المغربِ، وركعتيْنِ بعدَ العشاءِ، وركعتيْنِ قبلَ الفجرِ" الألباني (ت ١٤٢٠)، صحيح
الترمذي
وتعالوا معى نستعرض بعض
فضائل الصيام التطوع :
عن أبي سعيد الخدري (ض) قال : قال
رسول الله (ص) : "من صامَ يومًا فى سبيلِ اللَّهِ (أي
تطوعا) باعدَ اللَّهُ بينَهُ وبينَ النّارِ بذلِكَ اليومِ سبعينَ خريفًا "
. الألباني (ت ١٤٢٠)، صحيح النسائي ٢٢٤٤
•
ونستعرض أيضا فضل الصدقة :
يقول الله (س) في كتابه الكريم : {وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن
يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ
قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ } المنافقون10
الميت يتمنى أن يعود الى الدنيا كى
يتصدق ، لماذا ؟؟ لأنه رأى وعلم بفضل الصدقة .
وعن أنس بن مالك (ض) قال : قال رسول
الله (ص): "اتقوا النّارَ ولو بِشِقِّ تمرةٍ"
أي لو تصدقت بنصف تمرة بنية خالصة لله
يمكن أن تخرجك من النار ...
أخى المسلم : هذه بعض فضائل الصلاة
النافلة والصيام النافلة والصدقة وقد سمعت بالأجر العظيم فيها ، ولكن رسول الله
(ص) يقول إن إصلاح ذات البين بين الناس أكبر أجر من ذلك ..
وبعد جلسة الاستراحة
نكمل الحديث .. أقول قولي هذا واستغفر الله العظيم لي ولكم ....
الخطبة
الثانية :
الحمد لله رب
العالمين، ولا عدوان إلا علي الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك
له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، الصادق الأمين، صلي الله عليه وعلي أله وصحبه
الطيبين الطاهرين، ومن تبعهم بإحسان إلي يوم الدين. أما بعد
أيها الإخوة
المؤمنون: نكمل معكم الخطبة عن اصلاح ذات البين ...
أخى المسلم : إن الإنسان المؤمن مطلوب منه أن يصلح بين الناس قدر استطاعته ، فإصلاح ذات
البين درجة أعظم من درجة الصلاة النافلة ودرجة الصيام النافلة ودرجة الصدقة .
ولنا في رسول الله أُسْوة حسنة؛ أخرج البخاري ومسلم عن
سهل بن سعد الساعدي -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بلغه أن بني
عمرو بن عوف كان بينهم شَرّ فخرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يُصْلِح بينهم في
أُناس معه...
وروى البخاري في موضع آخر عن سهل بن سعد الساعدي -رضي
الله عنه- أن أهل قباء اقتتلوا حتى تراموا بالحجارة، فأُخْبِرَ رسول الله -صلى
الله عليه وسلم- بذلك فقال: "اذْهَبُوا بِنَا
نُصْلِحُ بَيْنَهُمْ".
هل
يجوزالكذب في الصلح بين المتخاصمين ؟؟
نعم .. يجوز
الكذب في اصلاح ذات البين أي في الصلح بين المتخاصمين ، ففي سبيل إصلاح ذات البين
جَاز الكذب.. عن أم كلثوم بنت عقبة (ض) قالت : قال رسول الله (ص): "ليس الكذّابُ الَّذي يُصلِحُ بيْنَ النّاسِ فيَنمي خيرًا
أو يقولُ خيرًا"
هل يجوز الكذب في مواضع أخرى غير
الصلح بين المتخاصمين ؟
نعم ... يجوز الكذب
في ثلاثة مواضع :
(1) الموضع
الأول : وهو الكذب في الصلح بين المتخاصمين ، فقد قال رسول
الله (ص): "ليس الكذّابُ الَّذي يُصلِحُ بيْنَ
النّاسِ فيَنمي خيرًا أو يقولُ خيرًا"
فمثلا عندما تصلح بين المتخاصمين ، فإنه يجوز لك
أن تكذب وتقول إن فلانا يمدح فيك ويقول كذا وكذا ، ويجوز لك أن تحلف بأن فلان لم
يقل فيك ما سمعت بل يمدحك ، وهكذا حتى تصلح بينهم ..
(2) الموضع الثانى : وهو الكذب على الأعداء ، فمثلا يجوز الكذب على الأعداء في
الحرب ، ويجب عليك أن تعطيهم معلومات مضللة ، وكذلك يجوز لك الكذب لمنع جريمة
سترتكب لو صدقت مع الجانى ، وهكذا ..
(3) الموضع الثالث : وهو الكذب على الزوجة لإرضائها ،
فثلا يقول لها أنت أجمل النساء وهى في الحقيقة ليست كذلك ، أو عندما تسأله عن
الطعام الذى أعدته له أهو لذيذ أم لا ؟
فيجب عليه أن يجبر بخاطرها ويقول لها لقد كدت أن أكل أصابعى من حلاوة
الطعام ، وفى الحقيقة غير ذلك ، وفى المقابل لا يجوز له
أن يكذب عليها ليخدعها ، فمثلا إذا سألته لماذا تأخرت اليوم فيقول لها كذبا لقد
تأخرت في العمل وهو في الحقيقة تأخر بسبب شيء آخر لا يرضى الله ولا رسوله ..
أيها الإخوة : إذا كان إصلاح ذات
البين له هذا الاجر العظيم ، فإن إفساد ذات البين بين
المسلمين هي كبيرة من الكبائر .
وإفساد ذات البين هي النميمة
والفتنة بين الناس ، فالنميمة من كبائر الذنوب وهي نقل
الكلام بين الناس بقصد الإفساد، وهي من
أعظم أسباب التقاطع والشحناء بين الناس، لذلك حذر منها الرسول صلي الله عليه وسلم
وأخبر عن العقوبة الشديدة لمن يعمل هذا العمل". ولذلك قال عليه الصلاة
والسلام: ((لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ نمام )) ...
- وقد مر رسول
الله (ص) بقبرين فقال: ((إنهما ليعذبان
وما يعذبان في كبير( أي في أمر شاق تركه ). أما أحدهما فكان لا يستبرئ من البول وأما الآخر
فكان يمشي بالنميمة بين الناس)) .
- قال احد الصالحين : "يفسد النمام والكذاب في
ساعة ما لا يفسده الساحر في سنة.
- أيها المسلمون :
تبينوا إذا نقل إليكم النمام كلاما؛ فإنه فاسق, والله سبحانه وتعالي يقول:{يَا أيها الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ
بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَي مَا
فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ}[الحجرات: 6].
- اللهم
أغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا ، وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين .
- اللهم صلى على محمد
وعلى آل محمد ، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم ، وبارك على محمد وعلى آل
محمد ، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم ، إنك حميد مجيد .
أيّها المسلمون إن
الله يأمركم بثلاثة وينهاكم عن ثلاثة :{إِنَّ اللّهَ
يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَي وَيَنْهَي عَنِ
الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ }
اذكروا الله واقم الصلاة

إرسال تعليق